من القفطان إلى السترة: أزياء سكان قصر دولما بهجة وأسلوب القصر
قصر دولما بهجة، الذي يرتفع على ساحل البوسفور في إسطنبول، حيث يلتقي الرخام الأبيض بالمياه الزرقاء، ليس مجرد تحفة معمارية، بل هو أيضًا تمثيل منحوت من الحجر لأسلوب حياة حقبة ما. الجو المذهل الذي يشعر به المرء عند عبور البوابات المهيبة للقصر هو في الواقع قصة إمبراطورية تمر بتحول. لا ينعكس هذا التغيير فقط في زخارف الجدران أو الأثاث، ولكن أيضًا في ملابس سكان القصر بأكثر الطرق حيوية. في منتصف القرن التاسع عشر، أدى الانتقال من الهيكل المحترم والمنطوي لقصر توبكابي إلى عالم دولما بهجة المنفتح والمشرق إلى ثورة جذرية في الأسلوب من القفطان إلى السترة. اليوم، بينما نستمع إلى همسات الماضي تحت الثريات الكريستالية للقصر، فإننا نتبع أزياء هذه الحقبة وأقمشتها وفهمها الجمالي.
مرآة القرن التاسع عشر: تطور الجمال والأزياء في القصر
كان القرن الأخير من الإمبراطورية العثمانية الفترة التي كانت فيها العلاقات مع الغرب في أوجها وكان هذا التفاعل هو الأكثر انتشارًا في الحياة اليومية. كان بناء قصر دولما بهجة من قبل السلطان عبد المجيد في الواقع المظهر الملموس لرغبة في «حياة جديدة» و «نظام جديد». كان هذا النظام الجديد حاسمًا في كل مجال، من آداب القصر إلى ثقافة الطهي، وكذلك في الملابس. تم استبدال القفاطين العثمانية التقليدية الآن بملابس مستوحاة من الموضة الأوروبية، ولكنها ممزوجة بالذوق العثماني. في هذه الفترة، لم يُنظر إلى الموضة على أنها مجرد وسيلة للتغطية، ولكن أيضًا كوسيلة لإظهار الوجه الحديث للإمبراطورية للعالم. هبت رياح التغيير في ممرات القصر مع حفيف الأقمشة الحريرية، والتقى الجو الغامض للشرق بالقوالب الحادة للغرب.
من التقاليد إلى الحداثة: استبدال القفطان بالسترة والسراويل
القفاطين، التي كانت رمزًا للقوة للسلاطين العثمانيين ورجال الدولة لعدة قرون، والمصنوعة من أقمشة ثقيلة مطرزة بالذهب، أفسحت المجال في القرن التاسع عشر لصورة ظلية أكثر عملية وحداثة. بلغت ثورة الملابس التي بدأت مع السلطان محمود الثاني ذروتها في قصر دولما بهجة في عهدي السلطان عبد المجيد والسلطان عبد العزيز. هذا التحول ليس رفضًا مفاجئًا للتقاليد، بل هو محاولة للتكيف مع احتياجات العصر.
وداع القفطان الرائع والبحث عن الجديد
القفاطين، التي لم تكن تكشف عن شكل الجسم، وكانت ترتدي طبقات وتتميز بزخارف رائعة في الفترة الكلاسيكية، أفسحت المجال تدريجياً لقصات أضيق. ومع ذلك، تم الحفاظ على الموقف المحترم الذي يمثله القفطان في الملابس الجديدة. لم يتنازل مسؤولو القصر عن جودة القماش والصنعة حتى عندما تحولوا إلى السترات والسراويل ذات الطراز الغربي. في هذه الفترة، بدأت السترات ذات الياقات المغلقة والتنانير الطويلة المسماة «إسطنبولين» تظهر بشكل متكرر في البيروقراطية المدنية وحياة القصر. كانت هذه القطعة بمثابة جسر بين العباءة التقليدية والسترة الحديثة. على سبيل المثال، يمكن تصور الإسطنبولين كنسخة معدلة من القفطان، مصنوعة من الحرير الخفيف ومزينة بتطريز أقل، مما يوفر الراحة والأناقة في نفس الوقت.
صعود السترة وبنطلون البدلة
مع افتتاح قصر دولما بهجة، أصبحت الملابس الأكثر شيوعًا بين سكان القصر هي ثنائية «السترة» و «السراويل». السترة، المشتقة من كلمة «surtout» في اللغات الغربية، هي سترة طويلة مصنوعة عادة من القماش أو الكشمير. أما السترة الطويلة فهي نوع من السترات التي يرتديها الإنجليز «riding coat»، وهي ضيقة من الخصر، ولها فتحة في الخلف وتصل تنورتها إلى الركبة.
- بنطلون (Pantalor): أصبحت السراويل ذات الأرجل المستقيمة، مع أو بدون زخارف ذهبية على الجانبين، والتي حلت محل الشلوار، الرمز الأبرز للتحديث. عادة ما يتم تفضيل الأقمشة الداكنة.
- السترة وبنطلون البدلة: أصبحت هذه السترات ذات الياقات العالية والأزرار الأمامية، باللون الأسود أو الكحلي أو الرمادي الداكن، الزي الرسمي للسلطان ومسؤولي القصر. على سبيل المثال، كان السلطان عبد المجيد يرتدي غالبًا سترة سوداء مطرزة بالذهب في المناسبات الرسمية.
- فاس: تم تتويج الفاس، الذي حل محل العمامة والقاووق، باعتباره مكملاً لهذا الزي الجديد. حتى لون وشكل شرابه تغير بمرور الوقت وفقًا للموضة.
توليفة الشرق والغرب: الأقمشة والفهم الجمالي
لم يقتصر التغيير في أزياء القصر على الزخارف الشكلية فحسب؛ كان هناك أيضًا تنوع كبير في المواد المستخدمة. خلق فن النسيج العثماني توليفة رائعة من خلال الجمع بين التقنيات الغربية. كانت نفس الأقمشة أو الأقمشة المماثلة المستخدمة في أثاث قصر دولما بهجة مفضلة أيضًا في ملابس سكان القصر. في هذه الفترة، أصبحت الأقمشة الحريرية والمخملية الفريدة التي أنتجها مصنع هيراكي همايون قادرة على منافسة الأقمشة المستوردة من أوروبا. [1]
| ميزة | الفترة الكلاسيكية (توبكابي) | الفترة الحديثة (دولما بهجة) |
| صورة ظلية | واسعة، متدفقة، متعددة الطبقات، تخفي شكل الجسم | ضيقة، حادة، مستقيمة |
| غطاء الرأس | عمامة، قاووق، كولاه | فاس (أحمر، بشرابة) |
| ملابس خارجية | قفطان، فرو، رداء | سترة، بنطلون بدلة، إسطنبولين، عباءة |
| ملابس داخلية | شلوار، تشاكشير | بنطلون (بنطلون بدلة) |
| حذاء | يمني، تشيديك، ميست | حذاء برقبة، حذاء، حذاء طويل |
تفضيلات الأقمشة ولغة الألوان
كان القماش أهم مؤشر على المكانة في أزياء القصر. في القرن التاسع عشر، تم استبدال الديباج الثقيل والمخمل السميك بأقمشة حريرية أدق، والساتان، والتفتا، والأقمشة الصوفية عالية الجودة. تحولت حرير ليون في فرنسا والأقمشة المحلية المنسوجة في هيراكي إلى أعمال فنية في أيدي خياطي القصر. لوحظ أيضًا تغيير في لوحة الألوان؛ تم استبدال الذوق العثماني الكلاسيكي الزاهي والملون بدرجات الباستيل والأزرق الداكن والعنابي والأسود. ومع ذلك، استمرت الألوان الزاهية مثل الوردي والأزرق والليلك وتفاصيل الدانتيل الأنيقة في الوجود في ملابس نساء القصر.
الأناقة والتغيير في ملابس نساء القصر
ظهر الانتقال إلى الخطوط الحادة في ملابس الرجال في ملابس النساء بانتقال أكثر سلاسة وجمالية. كان سكان الحريم يتابعون عن كثب أزياء باريس، لكنهم كانوا يمزجونها بفهم العثمانيين للخصوصية والأناقة. برزت «الفرحي»، التي تشبه الفرجية ولكنها أكثر زخرفة، في أزياء الشارع. في الداخل، تم استخدام الفساتين ذات الطراز الأوروبي مع المشدات والتنانير المنتفخة جنبًا إلى جنب مع مجموعات الشلوار التقليدية وثلاث تنانير. قبل كل شيء، قدم تقليد «بيندالي» أجمل الأمثلة في هذه الفترة مع ذروة التطريز الذهبي. فضلت النساء أغطية الرأس «ذات الطراز الجديد» كأوشحة، واستكملن أناقتهن بأقمشة شفافة ورقيقة. على سبيل المثال، كانت السلطانة الأم ترتدي غالبًا فساتين حريرية مزينة بالدانتيل الفرنسي، مع الحفاظ على حجاب الرأس التقليدي كرمز للوقار.
رحلة الموضة في ممرات دولما بهجة
عندما نزور قصر دولما بهجة اليوم، فإن هذه الملابس المعروضة خلف الخزائن أو المعروضة في اللوحات تحكي لنا قصة بصمت. في التطريز الذهبي على سترة السلطان، يمكننا أن نقرأ كلاً من قوة الإمبراطورية والرغبة في أن نكون مثل حاكم غربي. في تفاصيل الدانتيل على فستان حريري لـ Valide Sultan، يمكننا أن نرى كيف أعيد تفسير أزياء باريس في قلب إسطنبول. هذه الملابس ليست مجرد قماش وخيوط؛ إنه دليل متنقل على آلام التحديث والبحث الجمالي والثراء الثقافي للإمبراطورية. على الرغم من أن الخطوات التي ترددت في قاعات القصر ذات الأسقف العالية لم تعد مسموعة، إلا أن أزياء هذه الحقبة وجمالها وأناقتها تستمر في العيش في روح دولما بهجة. عندما ننظر من النافذة من عام 2026، فإننا نفهم بشكل أفضل مدى قيمة وأصالة الأسلوب الذي أنشأته هذه التوليفة. [2]
الحواشي السفلية:
- تأسس مصنع هيراكي همايون في عام 1843 من قبل السلطان عبد المجيد وكان أحد أهم مراكز إنتاج النسيج في الإمبراطورية العثمانية. تم تأسيسه لتلبية احتياجات القصر وكبار المسؤولين الحكوميين، وأنتج أقمشة حريرية عالية الجودة.
- لمزيد من المعلومات حول تاريخ الموضة والملابس في قصر دولما بهجة، يمكن الرجوع إلى الوثائق الأرشيفية والدراسات الأكاديمية ذات الصلة في مكتبة القصر.
منشورات ذات صلة
العودة إلى جميع المنشوراتتصفح قصصاً أخرى
اكتشف التاريخ في زوايا أخرى من القصر.